أبي نعيم الأصبهاني
234
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
حدثني أبو عبد اللّه محمد بن علي الترمذي قال : نور المعرفة في القلب وإشراقه في عيني الفؤاد في الصدر ، فبذكر اللّه يرطب القلب ويلين . وبذكر الشهوات واللذات يقسو القلب وييبس . فإذا شغل القلب عن ذكر اللّه بذكر الشهوات كان بمنزلة شجرة إنما رطوبتها ولينها من الماء ، فإذا منعت الماء يبست عروقها وذبلت أغصانها ، وإذا منعت السقي وأصابها حر القيظ يبست الأغصان ، فإذا مددت غصنا منها انكسر ، فلا يصلح إلا للقطع فيصير وقود النار . فكذلك القلب إذا يبس وخلا من ذكر اللّه فأصابته حرارة النفس ونار الشهوة وامتنعت الأركان من الطاعة ، فإذا مددتها انكسرت ، فلا تصلح إلا أن تكون حطبا للنار . وإنما يرطب القلب بالرحمة ، وما من نور في القلب إلا ومعه رحمة من اللّه بقدر ذلك . فهذا هو الأصل . والعبد ما دام في الذكر فالرحمة دائمة عليه كالمطر ، فإذا قحط فالصدر في ذلك الوقت كالسنة الجدباء اليابسة ( وحريق الشهوات فيها كالسمائم ، والأركان معطلة عن أعمال البر فدعا اللّه الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم ، وهيأ لهم فيها ألوان العبادة لينال العبد من كل قول وفعل شيئا من عطاياه . والأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة ، فهي عرس الموحدين هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات ، حتى لا يبقى عليهم دنس ولا غبار . فان اللّه اختار الموحدين ليباهى بهم يوم الجمع الأكبر في تلك العرصات الملائكة ، لان آدم وولده ظهر خلقهم من يده بالمحبة ، والملائكة ظهر خلقهم من القدرة ، لقوله : كن فكان . فمن محبته للآدميين يفرح بتوبتهم . خلقهم والشهوات والشياطين في دار الابتلاء ، ليباهى بهم في ذلك الجمع ويقول يا معشر ملائكتي إن محاسنكم خرجت منكم ، ومن النور خلقتكم ، وأنتم في أعالي المملكة تعاينون عظمتي وحجتي وسلطاني ، وقد عريتم من الشهوات والشياطين والآدميون خرجت منهم هذه المحاسن من نفوسهم الشهوانية ، والشياطين قد أحاطت بهم في أدانى المملكة ، ومن التراب خلقتهم ، فلذلك استوجبوا منى دارى وجواري . * سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت منصور بن عبد اللّه